رجل المخابرات الخبير يختار قاسم الأعرجي مستشارًا امنيًا لدبلوماسية ناعمة تتخطى اسوار بغداد

رجل المخابرات الخبير يختار قاسم الأعرجي مستشارًا امنيًا لدبلوماسية ناعمة تتخطى اسوار بغداد
رجل المخابرات الخبير يختار قاسم الأعرجي مستشارًا امنيًا لدبلوماسية ناعمة تتخطى اسوار بغداد
Share

قاسم الأعرجي، البدري العقائدي المنحدر من اسرة علوية هاشمية، الشيعي المؤمن بالمرجعية الدينية فقهًا، والمتبع لها تطبيقًا، الفتى الذي زامل السلاح منذُ بواكير شبابه، ولم يتركه حتى وان قست الظروف، وجارت المحن، ولربما تخلى عنه اصدقاء الأمس، لكنه حين حمل سلاحه اول مرةً، كان من إجل وطن لا يضام فيه عراقي، ولا تنتهك فيه حرمة، لا يقصى عراقي لسبب طائفي او قومي او فكري، لم يرضَ، وهو الثوري الممتلئ قوةً أن يكون مجرد رقم مرصوص في عداد ارقام تساق لحروب عبثية، ولم يتخلَ عن حلمه في ان يأتي اليوم الذي يلقي الجميع السلاح، ويعلنوا  بأعلى أصواتهم” وداعًا للحرب… مرحى للسلام”، لكن صخب المشهد العراقي المنفلت، وعنفه المريع يأبى ان يحقق حلم الرجل، الذي حولته مسيرة من النضال والمحن الى خبير في شؤون ولربما شجون الحروب وما  تتركه من ندوب على وجه الحياة.

في ٢٠٠٣ قال الأعرجي وهو يحزم حقائبه نحو بلاده، استعد ايها المقاتل، فالمهمة لم تنتهِ بعد؛ وصدق حدسه، ولم تخذله توقعاته، فكتب على العراق أن يخوض حرباً عالمية على الارهاب، وكان للرجل ايضاً موقفاً ناصعاً في تصديه للوجودالاجنبي على ارض بلاده، ودفع لذلك ثمناً ثقيلاً، لكن هذه الأثمان الباهظة لم تثن الرجل عن مواصلة مسيرته في حفر قيم على سطح صخري حاد، كان خطاب العقلانية السياسية والدعوة للتسامح والتسامي، والرغبة في ترسيخ مفاهيم عيش مشترك دأبه، ولا ننكر ابداً حزمه في التصدي للأصوات المناهضة للعملية السياسية الجديدة، والمدفوعة برغبات ثأرية، او انتقامية، او خارجية، فقد كان الرجل مدافعاً شرساً عن تجربة تأسيس حكم وطني رشيد وعادل.

في فترة استيزاره للداخلية، حول الاعرجي هذه الفرصة لميدان عملي لبناء وراسخ لمفاهيم العدالة، وتحقيق المواطنة عملياً، لا شعاراتياً، وحاول ان يغير من مفاهيم الأمن القائم على نظرية الأكراه والقسر والقمع، الى نظرية الأمن المجتمعي الناتج عن تواشج العلاقات الاجتماعية، وتقوية البيئة الداخلية وتحصينها، ولذا عمل على وأد الممارسة الطائفية ، وانتهج سياسة الابواب المفتوحة والايادي الممدودة للجميع، شريطة ان يتخلى الأخر عن فكره الاقصائي الالغائي.

اثمرت جهود الرجل انسجاماً ظل تأثيره حتى بعد خروجه من الوزارة فاعلًا وملهمًا، كما ان الرجل عمل بذات السياسة من موقعه لجعل العراق يتبنى وسطية سياسية قائمة على حفظ المصلحة الوطنية، وتأمين مصالح الأخرين وفق سيادة الدولة، والتعامل الندي، وايضًا تشجيع الحوار الأقليمي لتجنيب المنطقة ويلات الحروب الكارثية.

قاد الأعرجي بدأب وحيوية ديبلوماسية حقيقية عبر بوابة الأمن، ولقي دعمًا وترحيبًا وحفاوةً لجهوده هذه، التي كانت تعكس روحًا وثابة، وايضًا قدرة على تجاوز العقد الماضوية، والاندفاع الى الامام في مسيرة استكمال اسس الأمن التضامني المشترك.

يحمل الأعرجي مشروعاً مهماً من شأنه ان يحول الفاعل السياسي العراقي الى ايقونة اقليمية، ومحوراً لقيادة عجلة التفاهمات العابرة لحدوده، وايضاً يحول العراق لمحطة التقاء، لا محطة تقاطع الارادات والأجندة، فضلًا عما يحمله الرجل من مقبولية لدى الشارع العراقي بكل طيفه وتنوعه.

اليوم، يضع الرئيس مصطفى الكاظمي ثقته بالأعرجي مستشاراً للأمن الوطني، وهي مهمة أمنية بطبيعة الحال، لكنها ايضاً تأتي متساوقة مع مشروع الكاظمي في فتح حوار ستراتيجي سيجنب المنطقة برمتها الصراعات لعقود طويلة، لو كتب له ان يحدث، وان ينجح الأعرجي في استكمال مشروعه الرائد حينما  كان وزيرًا للداخلية .